29.11.10

هل الطفل المريض بالتوحد عبقري؟

الكاتب: منقول

قسم: نحن نجيبك

تعليقات : 0 تعليق | مشاهدات : 1994 مشاهدة

هل الطفل المريض بالتوحد عبقري؟ 

بداخل كل منا براعم للإبداع والعبقرية في كل من مجالات الرسم والموسيقى والرياضيات، والقدرة على إنماء هذه البراعم وإظهارها تعتمد على إيقاف جزء من المخ وهو الجانب الأيسر المسئول عن المنطق، والذي يكبح بدوره الجانب الأيمن، المسئول عن الفن والإبداع والموسيقى والرياضيات..

تسأل إحدى الأمهات: هل ممكن لطفلي المصاب بالتوحد أن يصبح عبقريًا في مجال الرسم مثلا ولا يصيبه هذا المرض بالعجز، وخاصة أنني أرى الكثير من ذوى الإعاقة الذهنية يحققون بطولات في ألعاب كثيرة وما تفسير هذه الظاهرة وهل ممكن للعقل أن يبرع في شيء ما بالرغم من وجود قصور في الجانب الآخر؟

يجيب الدكتور عبد الهادى مصباح، أستاذ المناعة عضو الأكاديمية الأمريكية للمناعة، قائلا: بداخل كل منا براعم للإبداع والعبقرية في كل من مجالات الرسم والموسيقى والرياضيات، والقدرة على إنماء هذه البراعم وإظهارها تعتمد على إيقاف جزء من المخ وهو الجانب الأيسر المسئول عن المنطق، والذي يكبح بدوره الجانب الأيمن، المسئول عن الفن والإبداع والموسيقى والرياضيات، ولعل من دلائل العدل الإلهي أن الخالق عندما ينتقص من الإنسان جزءًا من نعمة التي وهبها لكل البشر، فإنه يمده بجزء آخر ليس موجوداً عند كل البشر، ولكن المهم أن ندرك ما هو هذا الجزء الذي يكمن فيه النبوغ والعبقرية ونركز عليه ونبرزه.

ولقد توصل العالم " آلان شيندر " إلى هذا الاستنتاج من خلال بحث نشر أخيراً في مجلة Proceedings Of The Royal Society، وقد استشهد د. " شنيندر" ببعض الأمثلة لعبقريات مختلفة في مجالات الرسم والموسيقى والرياضيات في أشخاص بعضهم مصابون بداء التوحد، والبعض الآخر أصيب في حادث أفقده النطق وأثر على مخه، وعلى عدد آخر من ذوى الإعاقة الذهنية نتيجة لسبب أو لآخر.

ومن ضمن الأمثلة التي ساقها "د.شنيندر" مثال " نادية "، وهى طفلة مصابة بداء التوحد Autism، وهذه الطفلة لا تستطيع الكلام، إلا أن الخالق أعطاها موهبة لا تضاهى في الرسم، حيث تستطيع أن ترسم التفاصيل الكاملة للوحة ليوناردو دافينشى أو بيكاسو، بشكل لا يستطيع معه الخبراء التفرقة بين الأصل والصورة إلا بصعوبة بالغة، وعندما ترسم حصانًا مثلاً من الذاكرة، تجيد رسم التعبيرات الحية والألوان في الصورة حتى تكاد تظن أنها تنطق، والغريب أنها يمكن أن ترسم ذلك من الذاكرة، ودون تدريب سابق، والحقيقة أن نادية كانت تعانى من تخلف في المخ جعلها لا تستطيع أن تتكلم، ولا حتى أن تتعرف على أمها أو تفرق بينها وبين الممرضة التي تعتني بها، ومع ذلك فهي تبدع وتتألق في رسمها بشكل تلقائي يثير الدهشة.

أما المثال الثاني فهو " لتوم" الذي أصيب بتخلف عقلي ولا يستطيع التعامل مع الآخرين أو فهمهم، إلا أن الله قد وهبه موهبة فذة وهو لا يزال في الرابعة من عمره، فهو يستطيع عزف "سوناتا" البيانو لموتسارت بمجرد سماعها، دون الحاجة إلى نوتة موسيقية، ويمكن أن يعيد سرد محادثة سمعها تدور بين اثنين، كل بنفس نغمة صوته، وبنفس الكلمات والحروف التي ترددت، وبنفس ترتيبها وكأنه آلة تسجيل، بل إنه يمكنه أن ينتحل شخصية أي شخص من الجالسين معه، ويقلدهم بنفس الأسلوب ونغمة الصوت والكلمات، وبنفس ترتيبها.

كل هذه الأمثلة كانت محوراً للبحث الذي أجراه " آلان شنيدر" ليتعرف على أسباب هذه الظاهرة علمياً، ويحللها حتى يستطيع أن يحاكيها لكي ينتج جيلاً من العباقرة والمبدعين في هذه المجالات، وكانت أولى هذه الحقائق التي توصل إليها " شنيدر " أن هناك عمليات أولية للتجهيز تحدث داخل المخ دون أن نشعر بها، قبل أن تقفز الفكرة أو الموضوع إلى أذهاننا كمنتج نهائي قابل للفهم أو للعرض، وعندما تصبح الفكرة أو الموضوع مكتملاً، فإننا لا نعى أو نتذكر بصفة عامة المقدمات التي أدت إلى تبلور هذه الفكرة في عقلنا كمنتج نهائي، أي أننا لا ندرك المواد الخام التي صنعت منها الفكرة.

وعلى سبيل المثال عندما ترى شيئاً أو شخصاً معيناً، أو تذهب إلى مكان معين، وتشعر بالألفة والارتياح تجاهه، لا بد أن هناك أسبابا وراء هذه النتيجة، التي تشعر بها بداخلك، ولكنك لا تدرك هذه الأسباب، ولا تستطيع تحليلها أو الوصول إليها، وإذا افترضنا أن هناك عاهة أو خللاً معينًا انتاب الجزء من المخ المسئول عن بلورة الفكرة أو الموضوع في شكلها النهائي، فإن الموضوع سيظل مطروحاً من خلال العقل الباطن أو اللاوعي بكل مقدماته ومقوماته، التي يمكن أن تؤدى إلى النتيجة التي لن يستطيع المتخلف الوصول إليها.

لذا فإن التخلف العقلي، الذي يصيب هذه المنطقة، يطلق العنان للشخص المتخلف، لكي ينهل من الثروات والخبرات المختزنة في اللاوعي أو في العقل الباطن، مما يعطيه قدرات خاصة في المجالات التي تحتاج هذا المخزون، مثل الرسم والموسيقى والرياضيات، فهؤلاء الأشخاص يرون التفاصيل الدقيقة للأشياء، إلا أنهم لا يتمكنون من رؤية الصورة الكاملة للموضوع ودلالتها، وذلك على عكس الأناس العاديين أو الطبيعيين، الذين يرون الصورة الكاملة، دون الالتفات إلى التفاصيل بداخلها.

وهذا بالتحديد ما حدث مع الطفلة "نادية"، ذات الموهبة الفذة فى مجال الرسم، فهى تفتقر إلى المرحلة الأخيرة فى مخها التى تمكنها من رؤية ومعرفة الصورة ككل، ولكنها تعي جيداً كل خط، وكل لون، وكل ملمس، وكل بروز داخل الصورة، مما يجعلها ترسمها بشكل، وكأنها الرسام الأصلي لها، دون أن تعرف أو تدرى علام تدل هذه الصورة، أو إلى ما ترمز إليه، إلا أن هذه الموهبة الفذة كانت على حساب القدرة اللغوية، والمهارات، والعلاقات الاجتماعية، والدليل على ذلك أن نادية عندما بدأت في النضوج والتقدم في السن، والتحقت ببرامج خاصة من أجل علاج الطفل المتوحد، وبدأت في تعلم الكلام، والتفاعل مع الآخرين، أصبح رسمها عادياً، وليس بالعبقرية التي كانت عليها عندما كانت في الرابعة من عمرها، ولم تكن تستطيع الكلام.

ومن الغريب أن البحث استنتج أن هذه الموهبة يمكن أن تظهر في مرحلة متأخرة عندما يصاب الإنسان في مخه بإصابة معينة، مثلما حدث مع الصبي الذي يدعى "سيريل"، الذي أصيب في رأسه بكرة البيسبول وعمره عشر سنوات في ولاية "أورلاندو" الأمريكية، وبعد الإصابة التي سببت له عاهة مستديمة في المخ، أظهر هذا الصبي نبوغاً وعبقرية بشكل فذ في مجالات الرياضيات والحساب والموسيقى، فعلى سبيل المثال إذا سألته عن يوم 23 أكتوبر عام 1992، يجيبك على الفور: لقد كان يوم سبت ممطر ما بين الساعة كذا والساعة كذا، وكانت الشمس تشرق فيه الساعة كذا، وتغرب الساعة كذا، وكان يملك من الأذن والموهبة الموسيقية ما يمكن أن يجعله يخرج النغمة النشاز من أي آلة في أوركسترا مكون من مائة عازف أو أكثر، كما يمكنه أن يسمع لحنين مختلفين في نفس الوقت، ويحدد النغمة النشاز في أي منهما أو في صوت المغنى.

وهناك صبى آخر كان عمره تسع سنوات أصيب بحمى شوكية أثرت على مخه، وأصبح بعدها من عباقرة الموسيقى الذين يشار إليهم بلبنان.

ولعل من أحدث الأبحاث التي يجدر الإشارة إليها هو ذلك البحث الذي توصل فيه د."بروس ميللر"، أستاذ الأعصاب بجامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو، إلى أن هناك نوعاً من ضعف الذاكرة Dementia، يحفز الطاقات الفنية للإنسان المسن، الذي كان لا يظهر أي موهبة أو عبقرية في الرسم أو الموسيقى من قبل، إلا أن هذا النبوغ والعبقرية تبدأ في الظهور على حساب القدرة اللغوية، والمهارات والقدرات الاجتماعية، والشيء الذي خرج به الباحث ومن قبله عدد من الباحثين، أن هناك وسائل مختلفة لإظهار هذا النبوغ والعبقرية، دون الفقد الدائم للقدرة اللغوية والعلاقات الاجتماعية.

وهكذا نرى أنه كما أن لكل شيء في الحياة جانبه السلبي، وجانبه الآخر الإيجابي، فإن الخالق ، حتى في أحلك الظروف، ومن خلال أصعب أنواع الابتلاءات، يمد الإنسان بمميزات وخصائص، تعوضه عما انتقص منه، ولكن المهم أن نحاول دائما أن نبحث عن الجزء المضيء من الصورة، لا أن نركز فقط على الجزء المظلم، ونعيش فيه.

أترك تعليق


الرجاء كتابة التعليق بشكل واضح وسليم، دون أي إسفاف وإستخدام عبارات غير مهذبة.

التعليق ينشر بعد الإضافة ببضع ساعات حتي تتم مراجعته.

التعليقات المنشورة أعلاه لا تمثل رأي الموقع بأي حال من الأحوال.

Get Adobe Reader